الشيخ محمد رشيد رضا
223
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اجماع أهل التحقيق على بطلان التقليد وكونه يقتضي بطلان الاعتماد على تلك القضايا النظرية التي تواضع عليها أئمة كل طائفة فيما بينهم وزعموا أنها هي الحق الواقع وعد هذا تعصبا من اتباع كل رئيس وأخذا بأسباب العنت . ثم قال ما نصه : « الحق الذي يرشد اليه الشرع والعقل أن يذهب الناظر المتدين إلى إقامة البراهين الصحيحة على اثبات صانع واجب الوجود ثم منه إلى اثبات النبوات ثم يأخذ كل ما جاءت به النبوات بالتصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الالفاظ إلا فيما يتعلق بالاعمال على قدر الطاقة ، ثم يأخذ طريق التحقيق في تأسيس جميع عقائده بالبراهين الصحيحة ، كان ما أدت اليه ما كان ، لكن بغاية التحري والاجتهاد ، ثم إذا فاء من فكره ، إلى ما جاء من عند ربه ، فوجده بظاهره ملائما لما حققه فليحمد اللّه على ذلك ، وإلا فليطرق عن التأويل ويقول ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) فإنه لا يعلم مراد اللّه ونبيه إلا اللّه ونبيه ، فعلى هذا المنوال يكون نسجه فيبوء من اللّه برضوان حيث أسس عقائده على السديد من البراهين ، واستقبل الاخبار الإلهية بالقبول والتسليم ، وتناولها بقلب سليم ، وان أراد التأويل لغرض كدفع معاند ، أو اقناع جاحد ، فلا بأس عليه إذا سلم برهانه من التقليد والتشويش . وهذا هو دأب مشايخنا كالشيخ الأشعري والشيخ أبي منصور ومن ماثلهم لا يأخذون قولا حتى يسددوه ببراهينهم القوية على حسب طاقتهم ، وهذا هو ما يعني باسم السني والصوفي والحكيم ، وكل متحزب مجادل فإنما يبغي العنت وتشتيت الكلمة فهو في النار ، وكل مقصر فعليه العار والشنار ، فاسلك سبيل السلف ، واحدر فقد خلف من بعدهم خلف ، ولا بد في كمال النجاة ونيل السعادة الأبدية من أن ينضم إلى ذلك التخلي عن الرذائل ، والتحلي بالأخلاق الكاملة ، والاعمال الفاضلة ، ومن تلك الاخلاق والاعمال تكميل قوة النظر وارتكاب طريق العدل في كل شيء . إذ لا ريب في أن كل من خالف ما كان عليه النبي وأصحابه من الهمة والسداد والعدل والانصاف وسلوك طريق الاستقامة في جميع الاخلاق والاعمال ونور البصيرة فيما يؤخذ ويعطى فهو في النار أو يطهر ومن كان على ما كانوا عليه فهو في أعلى غرف الجنان وسالك هذا الطريق إما أن يكون سلوكه من قبل الالتفات إلى ما جاء في الكتاب والسنة وكلام أولي الفضل من الراشدين قديما وحديثا فذلك هو الحكيم العلي والمؤمن المتوسط . وإما أن يكون مع ذلك قد سلك